العترة الطاهرة لشيعة المغرب
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد و آل محمد
ضيفنا العزيز ؛ يرجى التكرم بتسجيل الدخول إذا كنت عضوا معنا ؛
أو التسجيل إن لم تكن عضوا ، و ترغب في الإنضمام إلى أسرة المنتدى ؛
نتشرف بتسجيلك ـ و شكرا


( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا )
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

 قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله : إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا  ــــ٥٥٥٥٥ــــ






المواضيع الأخيرة
إذاعة القرآن الكريم
 

عدد زوار المنتدى

.: عدد زوار المنتدى :.

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المكتبة العقائدة
مكتبة الإمام علي الكبرى
المكتبة الكبرى
مكتبة النرجــس

مكتبة النرجــس
الأفق الجديد

تضامن مع البحرين


انتفاضة المنطقة الشرقية

موقع الخط الرسالـي


شاطر | 
 

 مقال رائع للسيد هاني فيه إفحام للمنحرفين مثل أحمد الكاتب و بن عربي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
rahmaa
عضو فعال
عضو فعال


الأوسمة : عضوة نشيطة
تاريخ التسجيل : 15/02/2010
عدد المساهمات : 87
العمر : 31

مُساهمةموضوع: مقال رائع للسيد هاني فيه إفحام للمنحرفين مثل أحمد الكاتب و بن عربي    الخميس 05 أغسطس 2010, 23:12

[right]المهدوية بين منكريها ومؤيديها ومدّعيها



هسبرس


إدريس هاني

أحيانا يبدو من الضروري أن نواجه فاسد الفكر بشيء من التحقيق. فالفكرة المهدوية دفعت ثمنا باهضا حينما أحاط بها الجهل وظلت بين يد أدعياء عبثوا بها أيما عبث. ولا عبث أكبر من أن يدعيها الحمقى والمجانين والمخلوطين وما أكثر ذلك على امتداد ـ ليس عالمنا الإسلامي فحسب ـ بل على امتداد العالم جميعه بمختلف ملله ونحله. يؤكد هذا أن الإنسان عموما وليس فقط الإنسان المسلم ، مزود بقابلية للاعتقاد بالمهدي من دون حتى تأمل. وفي مثل هذه الأحوال أي ضابطة يجب إقرارها للحؤول دون استغلال هذا المعتقد الإسلامي من قبل مدّعيه؟ كما أننا نعتبر أن مجرد إنكاره بالجملة لا يحلّ مشكلة ولا يمنع من اعتقاد . لسنا في مقام إحراز كفاية النظر واستقصاء منتهى الخبر عن أحوال الموعود في الشرائع الدينية، ذلك الذي يسمى في تراثنا الروائي بالمهدي المنتظر. فالحديث بحسب تلك المستندات عن المهدي وأحوال ظهوره وما يسبقه من أحداث وما يعقبه من مصائر الخلق، مما لا يسعه أسفار بكاملها. وقد صنف في ذلك منذ قرون وحتى اليوم ما يغني اللبيب ويقدح لوعة المشتاق ويشفي عطاش الحيارى. من هنا لا فائدة من الوقوف عند البحث الروائي ـ وإن عاقرناه قليلا ها هنا نزولا عند الضرورة ـ بل المجدي أن نتحدث عن الأبعاد الفلسفية للغيبة والظهور معا. وحيث أن الحديث عن المهدي يفرض في العادة وقوفا عند جملة من الاستشكالات التي تتعلق بحقيقة الموعود و غيبته وظهوره ـ استشكالات تتوجه إلى المدارك الروائية التي تسند هذا الاعتقاد والفصول التاريخية التي شكلت شرطا للغيبة ـ كان لا بد من قرع هذا الباب تذكيرا لا استئنافا.

لم تقتصر حركة التزييف الكبرى على حقائق التاريخ فحسب. بل إنها لا زالت مصرّة على التصرف في حقائق المستقبل أيضا. وهذا واضح ، إن لم نقل هو الحتمية الطبيعية لإرادة الاعتقاد حسب الشروط التاريخية المتعسفة لا حسب الحقائق والتعاليم الوحيانية المقررة. فحينما فسدت السياسة في تاريخنا لم يعد الأمر محصورا ها هنا فحسب، بل تعدّى الأمر ليفسد التاريخ والجغرافيا والضمير والعلم والدين والحاضر والمستقبل. وقد كانت حقيقة المهدي المنتظر من أخطر أشكال الحقائق التي تعرضت لتزييف التاريخ والجغرافيا والحاضر والمستقبل والدين...فمع أنهم حاولوا جهدهم نسف هذا الاعتقاد وبلبلته بتحشية النصوص بما لا يصح منها لغرض تشويه مقاصدها والتشويش على حقيقتها عبثا ، وبعد أن حاولوا في مرحلة أخرى نكرانها من أصلها، قاموا في لحظات تاريخية أخرى بحرفها عن مصداقها بادعائها زورا وبهتانا. هكذا جعلوها قضية عائمة في المستقبل بعد أن كانت قضية تاريخية ممتدة وشاهدة على كل العصور. كذلك حرفوا شجرة نسبها من خصوص الطالبيين إلى آل العباس تحت سطوة الحكم العباسي. لم تكن تلك هي أولى أشكال التحريف التي قامت بها السلطة العباسية بخصوص حقائق التاريخ في سياق الانقلاب غير الشريف الذي قام به العباسيون ضد العلويين بعد أن سعوا إلى إبادتهم وتقمص ما كان حقا لآل البيت (ع) ـ لسنا في وارد التفصيل في هذه المسألة ـ وكذلك حرفوا جغرافيا الظهور وتاريخه. فوقّتوا حيث نهوا عن ذلك . وجعلوا ظهوره من المغرب حيث صحّ ظهوره من المشرق .

إن ظاهرة ادعاء المهدوية عبر العصور ومزاعم الكثير من المهدويين المزيفين، لهو ـ عكس ما يتراءى للبعض ـ أكبر دليل على ارتكازها في وجدان المسلمين. بل إن وجودها قبل الإسلام وبعده وفي كل الأديان وحتى عند غير أهل الأديان لهو آية على أنها مما ركز في وجدان كل البشر. وما ادعاء بعضهم لها ونسبته إيّاها إلى شخصه زورا إلا لما كانت تحمله من مضمون يلتقي بالقلوب والعقول بشرط الدين أو لا بشرط المقسمي ، في منطقة القناعة الكبرى بالمستقبل الأفضل. فالذين يشككون في بعض العقائد لمجرد وجودها في متون الأديان الأخرى واهمون ومسرفون. فالله يوجد عند جميع الأديان وحتى في الأساطير الغابرة. وهذا أكبر دليل على وجوده .

وقد تعرضت قضية المهدي التي تمنح الدين جدوى الاستمرارية و معنى الخلود في دنيا النوع إلى الكثير من أشكال التعسف. حتى أن البعض حاول اختزالها في مدرسة دينية دون أخرى ومذهب إسلامي دون آخر عبثا . وكان أحرى أن تكون حقيقة المهدى هي القاعدة المشتركة التي تلتقي عندها كافة الأديان. بل القاعدة التي تقارب بين المسلمين وتمنح لوحدتهم المستقبلية معنى زاخرا بالأمل بعد كل هذا الانسداد في العقل وبعد كل هذا التشاؤم في القلب. ومن المؤسف جدا أن سعى البعض لحصرها في الاعتقاد الشيعي في محاولة متعسفة لا تنطلق من أصول علمية يسندها عقل أو نقل سوى حالة مزاجية في الاعتقاد وخفة جزافية في كيل الأحكام. وقد يجد أدنى مطلع على ما ورد في مصادر المسلمين من أهل السنة ما يعضد هذه الحقيقة بما يتفق مع ما ورد في مصادر المسلمين من الشيعة . وقد قام كثير من أعلام العقيدة والحديث من أهل السنة لدحض شبهات المنكرين لها وكذلك لدحض أدلة المدعين لها بردها إلى مصداقها . ومن هؤلاء المثبتين لها من كان على مذاهب في الفقه والاعتقاد على خصومة مع الشيعة والتشيع شديدة . وهم في ذلك لم يحققوا المراد كاملا ، لكنهم على الأقل ، أثبتوا حقيقتها ونقضوا المصداق المزعوم لمدّعي المهدوية زورا ، صارفا إياها عن مصداقها الأعظم في هذا الزمان أو ذاك. وقد رأى البعض في ظاهرة ادعاء المهدوية ذريعة للتشكيك في موضوعيتها وركوب ذلك دليلا على بطلانها. وهو من أغرب البراهين التي استند إليها هؤلاء وأخسها في معيار العلم . إن التاريخ بالفعل شهد ادعاءات أفضع من ذلك بكثير. فعظمة النبوة ورسوخها لم يمنع من ادعاءها من قبل الكثير من الأشخاص في الماضي والحاضر. ولم يكن ذلك دليلا على بطلان النبوة. كما أن كثيرا ممن اختلطت عندهم المفاهيم والعقائد اعتبروها مما يزاحم أو يناقض مبدأ الخاتمية. في حين كان أحرى أن يدركوا أن الخاتمية هي من يمنح المهدوية عنفوانها. لقد تخللت الفتراة بين الرسل مهدويات وحجج ووصايا. وهي في الخاتمية أولى لطول ما بعدها وانتفاء الفتراة. فاستمرارية اللطف تؤكد على ضرورتها. وثبوت العدل الإلهي يؤكد على ذلك. فالحجة وجب لها أن تدوم ما دام النوع واستمر. ولا حدود للحجة دفعا لمزاعم من رأى في فكرة الرشد ما يغني اللاحقين عن الحجج. فلكل زمان مطالبه وحاجاته إلى الحجج. وكم من حجة يطلبها الناس في زمان الخاتمية وتتأكد الحاجة إليها بموجب من اللطف أكبر من السابق.

فهل من اللطف أن ترفع الحجج عن الأرض. وهل من اللطف والعدل أن تترك البشرية سدى؟!

وثمة من سعى ولا يزال إلى إنكار هذه الحقيقة وادعاء بطلانها. وقد اتضح أن المنكرين لها من القدامى أو المحدثين، عادة ما يقعون في مأزق مخالفة صريح الأخبار الصحيحة الدالة على حقيقة المهدي. وكان المنكر لها دائما يواجه السنة قبل أن يواجه الشيعة. هكذا نجد أن الموقف نفسه الذي واجه به الشيخ الألباني منكري المهدي وقبله فعل الأمر نفسه ابن حجر الهيثمي هو نفسه موقف الشيعة من منكريها. فالمشترك بين ردود السنة على من أنكرها وبين الشيعة، واحد من حيث أن المنكر لا يأبه بالدليل ويتجنى على الصحيح والمعتبر من السنة.

لقد وقفنا على مزاعم و ادعاء من تكلّف نكران حقيقة المهدي، فوجدنا أنها أشبه بحالة من يرجم بالغيب ولا تعدو كونها ادعاء لا ينطلق من تحقيق في أصل هذا الاعتقاد ولا استقصاء لمداركه. فهم اذ يزعمون أنها غير موجودة سرعان ما يجدون أنفسهم في مواجهة سيل من الأخبار في مجاميع المسلمين غير قابلة للنكران إلا لمن غامر بنكران السنة رأسا. وهم إن حكموا عليها بالضعف والوضع سرعان ما يجدون أنفسهم أمام سيل من الأخبار تتمتع بالصحة وشروطها لا يردّها إلا من هو على أتمّ الاستعداد لإنكار الصحيح من الأخبار والمعتبر من السنن . وهكذا بات المنكر لها ولصحة الروايات المثبتة لها في وضعية من التخبط والحيرة والتحايل على المطلب. ليتبين أن المسألة في خلفيتها تتعلق بموقف من أصل الغيب لا من فرع الغيبة. إن الوقوف على أخبار ضعيفة و موضوعة عن المهدي وأحواله ليست دليلا عند من أدرك علم الحديث على بطلان هذه الحقيقة. إننا لو استوعبنا الدرس الفقهي وعلم الحديث، سنجد أن لا وجود لباب من أبواب الفروع أو الأصول نجا من حضور الضعيف. لكن المحدثين والفقهاء لا يقيمون لا اعتقادهم ولا فتواهم على الضعيف ـ مع وجود استثناء فيمن رأى العمل بالضعيف في الفروع عند غياب الدليل، مقدما على جريان القياس كما هو رأي بعض الحنابلة، وهذا ليس موضوع بحثنا ـ. سوف تواجه من باب الطهارة إلى باب الديات، سيلا من الأخبار الضعيفة إلى جانب الأخبار الصحيحة. وهذا في الأصول والآداب والسنن أكثر. إن وجود أخبار ضعيفة حول المهدي لا يحجب جملة الأخبار الصحيحة حوله أيضا. بل شأنها شأن الكثير من الأخبار يجري على بعضها الصحيح والضعيف بتقسيماتهما المقررة في علم الدراية. فالأخبار الضعيفة لم تترك مجالا لم تقتحمه بما في ذلك الحديث القدسي وحتى الأخبار المتعلقة بسيرة النبي (ص) وأحوال الملائكة. فلماذا يراد فقط للأخبار الدالة على وجود وأحوال المهدي أن تستثنى من التلبس بهذه الظاهرة. ولماذا يراد للناس أن يستغنوا عن هذا الاعتقاد لمجرد وجود أخبار ضعيفة إلى جانب أخرى صحيحة. وأما ادعاء انحصار أخبار المهدي في المذهب الشيعي فهذا كلام ساذج. بل ، اعلم أن علماء الشيعة يستطيعون تضعيف الكثير من أخبار المهدي بما فيها تلك التي تلتقي مع اعتقادهم ، كما فعلوا بالكثير من الأخبار الواردة في مجاميع الفريقين. إن للصحيح والضعيف موازين علمية عند القوم هي المعول عليها في القبول والرفض.
وقد لفت انتباهي موقف صادر من قبل كاتب عراقي مشهور بلقب أحمد الكاتب ، يشكك في أخبار المهدي. فسلك مسلك الخصوم وتبنى تعليلاتهم في المقام. وكان الأمر أدعى للأسف. فهب أن من أنكر ذلك من المنكرين من خارج المدرسة الإمامية لم تصلهم أدلة وافرة لتنزّل هذه العقيدة منزلة العارض غير الأصيل في مذاهبها، لكن كيف نعذر من فاضت أمامه الأدلة وتكاثرت. مستند الكاتب الوحيد ـ إذا تفادينا باقي إنشائياته التي لا ترد دليلا ثابتا ولا تدفع قرائن صادحة ـ أنها ضعيفة. وليست تلك فكرة جديدة. بل هي مما تردد وتمّ الرد عليه لولا أن الكاتب فضل الإغضاء عن كل ردود الإمامية قديما وحديثا ، والاكتفاء بموقف يتعاطى مع المسألة كما لو كان ذاك الرفض ابتكارا جديدا فاضت به عبقرية الكاتب. لم يحقق الكاتب في كل الروايات . هذا فضلا عن أن تحقيقه لم يكن ممهورا بتفنن درائي في الحديث . وأقصد بالمهارة في الحديث أن لا تكتفي حتى في مقام الخبر الضعيف برده لمجرد وجود مجروح في السند. فثمة مذاقات تجعل الدرائي الحقيقي يصحح الضعيف نفسه متى قامت قرائن أخرى على ذلك أو النّظر إليه عبر أسانيد وطرق أخرى سواء بالتركيب السندي أو ما يثبت بشامّة المحدث المقارناتية. إن علم الحديث لا يمنح العالم طرقا وقواعد لمعالجة مختلف الحديث وتدبير التعارض وتطبيق الجرح والتعديل على رجالات السند فحسب ، بل تمنحه احترافية وشامّة لتحليل الخطاب وتفكيك المتن، تجعله يدرك عبر سلسلة من القرائن الظاهرة والخفية إذا ما كان هذا حقا كلاما للمعصوم أو لا . وقد اكتفى الكاتب بالطريقة السهلة: انتقاء أو على الأقل نقول ، هو استقصاء ناقص للأخبار من مظانها المعتبرة ـ وهذا يكفي لسلب صفة الاجتهاد عن طريقته. لأنه ليس فيها شيء معتبر من بدل الوسع في الاستقصا والتسلط على المظان ، فضلا عن بدل الوسع في تدبير مختلف الحديث واستدعاء القرائن المتصلة والمنفصلة المسندة للجمع العرفي والتراجيح في مقام التعارض بين الأدلة ـ ثم عرض أسانيدها على فهارس الرجاليين . فيلاحظ تجريح هذا أو ذاك. ثم النتيجة: حديث مردود وفي النهاية ، الحكم : لا أصل للمهدي!؟

هذه ليست طريقة محترفة في معالجة الأخبار. بل إنها عملية يستطيع أن يقوم بها أي شخص مهما تدنت دربته في الدراية. لكن أين هو التفنن الدرائي في كل ذلك؟!

لقد غاب عن الكاتب الكثير من الأدلة . حتى أنه بات يتعاطى مع الأخبار بلسان الكم لا النوع. أي حتى مع توفر حديث صحيح يطلب المزيد ـ فيما لا حظنا عبر نقاشاته ـ كما لو أن الخبر لا يتواتر في طبقات رواته بل في طرائق روايته. فالمتواتر الذي لم تتكاثر طرقه هو عند الكاتب بمثابة الآحاد ، في خلط وذهول عجيبين. وكنت قد كتبت قبل سنوات على نحو الاستعجال كتابا رددت فيه على الكاتب أسميته: "من الشك إلى الشك". وذلك بعد أن قرأت كتابه وتأملته فوجدته لا يقوى على رد حقيقة المهدي بقدر قدرته على التشكيك فيها. فاعتبرت أن شكّه هذا لم ينته إلى يقين. بل بدا لي شكلا من التحول من شك إلى شك آخر. فمنهجه قابل أن يطبق على كل حقائق الغيب الثابتة في الكتاب والسنة. وهي قابلة أن تحدث الضجيج نفسه . ومع أن الأخبار دالّة على نحو صريح لا يحتمل التأويل بخلاف ظاهر الروايات الآبية عن الرد لتواترها وصحة بعض من طرقها وأسانيدها المتنوعة ، إلا أن ثمة من شط به القلم للحديث عن حقيقتها بكثير من التهوين وكثير من البجاحة في مخالفة المراد. وكما سعى الكثير من هؤلاء إلى تقليص دائرة الغيب فلم يجد مندوحة لذلك إلا بأن ينكر وجود الجن والملائكة وتأويل ذلك بما يحرف معناها عن ظاهره من دون صارف والطعن في حقيقتها في نفس الأمر، دون أن يجرأوا على اقتحام عقبة الغيب وأشكاله التي أحاطت بحقائق الدين وكانت عنوانه الأبرز بموجب قوله تعالى:" الذين يؤمنون بالغيب" ، حاولوا الأمر نفسه مع حقيقة المهدي . فهم إذ يؤمنون بنظائر من غيبة المهدي في القرآن والسنة ، يفعلون ما في وسعهم لرد غيبة المهدي رغم كل ما أحاط بها من أدلة صحيحة ومعتبرة. فهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. وقد أوّل الإمام الصادق (ع ) الآية الكريمة :" الذين يؤمنون بالغيب " بالمهدي. فأنزله منزلة المصداق للغيب. وعجبا من ذلك التعجّب الساذج الذي أبداه كثير من المفسرين الذين قالوا في ذلك بعد أن نسبوه لفاسد التأويل الشيعي في رأسيهم، بأن هذا تخصيص المطلق من دون دليل فهو باطل كما ذكر الرازي في تفسير وغيره . وهو أشبه بنكتة الزمخشري صاحب الكشاف وقد تكررت بالنقل الحرفي المملّ عند كثير من المفسرين المخاصمين للشيعة من أمثال النسفي قديما ومحمد الطاهر بن عاشور حديثا ، بخصوص تأويل النحل ببني هاشم الذين يخرج العلم من بطونهم . إذ يقول:" ومن بدع التأويلات الرافضة : أن المراد بالنحل علي وقومه : وعن بعضهم أنه قال عند المهدي : إنما النحل بنو هاشم ، يخرج من بطونهم العلم ، فقال له رجل : جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم فضحك المهدي وحدث به المنصور ، فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم ". (ج3 ص 373)

كل هذا تجنّي على العلم وانحطاط في تقدير الأمور. إن الأمر لا يتعلق بتخصيص مطلق ـ وكان أضبط لو قال تقييد مطلق لأن التخصيص يقابل العموم في الاصطلاح ، لأننا يمكننا إطلاق الإطلاق والتقييد على العموم والخصوص حسب الاعتبارات، كأن نقول بلا قيد العموم وبالقيد مطلقا ـ بل هو في مقام بيان المصداق. والمصداق هنا مذكور على نحو الأولوية. ثم إن ثبوت هذا القول عن الإمام الصادق في نظر الشيعة هو مما له قابلية التخصيص لتنزل كلامه منزلة السنة التي تخصص وتقيّد وتبيّن ما في الكتاب ، كما هو مقرر في مذهبهم . ثم إن هذا من رائجات التأويل بالمصداق؛ فلم العجب إذن، وما محل الغرابة هنا ؟! وقد سبق أن أشرت في غير ما مكان ـ انظر كتاب "محنة التراث الآخر" فصل أصول التشريع ، وكذلك " الاسلام والحداثة" الفصل المخصص لأزمة التأويل ـ بأن التأويل لا يعني المجاز فقط. فهذا الزمخشري المعتزلي ونظراءه من أمثال الجاحظ ممن غرقوا في المجاز لكنهم ليسوا دربين في التأويل. وقد رأيت كيف تعجب الزمخشري من تأويل بالمصداق وتعاطى معه تعاطي السذّج الذاهلين. فهل المسألة تتعلق باستحالة في عالم الإمكان أم لغياب الدليل أم لعدم علو شأن المهدي حتى يستحق أمره الإحاطة بالإعجاز؟ الحقيقة أن الأدلة وافرة شرعا والإمكان ثابت عقلا والشأنية مشهودة بهما معا. ويكفي أن خصما للشيعة مثل ابن حجر الهيثمي ذكر في كتابه "المختصر في علامات المهدي المنتظر" ما جاء عن ابن سيرين في قوله بأفضلية المهدي على الأنبياء. والأمر هنا يتعلق بالأفضلية الشأنية وما يتميز به عصره من قضايا عظمى وإن كان التخصيص هنا يتعلق بعموم أنبياء بني إسرائيل ، للحديث المعروف:" علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل". فيستثنى النبي الخاتم حيث تفوق شأنيته كل الشأنيات ، وحيث شأنية ما دونه هي فرع من أصل الشأنية المحمدية. وقد لا حظنا أن المنكرين لوجود المهدي أنهم من فقهاء إما لا يستندون في معرض كلامهم على دليل شرعي متين أولا على تحليل عقلي عميق. وهم بذلك يرتكبون خطئين: رفضهم لحقيقة من دون دليل. وعدم قبولهم بالأدلة الشرعية الوافرة. أو أنهم من غير المتخصصين في الشريعة إذ لا يعاقرون منها سوى سطحا لا يغني في المقام. ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك، تكلف الإنكار الذي اضطلع به الشيخ محمد الغزالي. حيث طعن في صحة الأخبار الواردة في المهدي كما طعن في إفادة ما صحّ منها للمراد. وقد تصدى الشيح ناصر الدين الألباني إلى هذه المحاولة انطلاقا من تتبعه لصحة الأخبار الواردة ، مقدما أدلة واضحة على أن موقف الغزالي لم ينطلق من تحقيق بقدر ما هو رجم بالغيب أنزل الغزالي في هذه المسألة تحديدا إلى مصافّ غير المحققين ، كما صرّح الألباني نفسه. ولنا مع اعتراضات الألباني وقفة في هذا الكتاب نستعرض فيها رأيه كاملا. ومثل ذلك ما لاحظناه على صاحب التفسير الموسوم بـ:" التحرير والتنوير" الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وهو المقاصدي الكبير، لا يكاد يحكم ما ظهر من لسان النصوص من مقاصد كبرى لظهور المهدي ولا أمكنه التحقيق في ذلك سوى أن قال في سياق غير السياق: "وذلك بأن اجتمع مدبرو الأمر على أن يضعوا أكاذيب عن سليمان يبثونها في العامة ليقضوا بها وطرين أحدهما نسبة سليمان إلى السحر والكفر لتنقيص سمعة ابنه رحبعام كما صنع دعاة الدولة العباسية فيما وضعوه من الأخبار عن بني أمية والثاني تشجيع العامة الذين كانوا يستعظمون ملك سليمان وابنه على الخروج عن طاعة ابنه بأن سليمان ما تم له الملك إلا بتلك الأسحار والطلاسم وأنهم لما ظفروا بها فإنهم يستطيعون أن يؤسسوا ملكاً يماثل ملك سليمان كما صنع دعاة انقلاب الدول في تاريخ الإسلام من وضع أحاديث انتظار المهدي وكما يفعلونه من بث أخبار عن الصالحين تؤذن بقرب زوال الدولة . ولا يخفى ما تثيره هذه الأوهام في نفوس العامة من الجزم بنجاح السعي وجعلهم في مأمن من خيبة أعمالهم ولحاق التنكيل بهم فإذا قضى الوطر بذلك الخبر التصق أثره في الناس فيبقى ضر ضلاله بعد اجتناء ثماره" (الباب 102ج 1ص 402).

يقال هذا في حين أن المسألة هي أبعد من أن تكون موضوع ملهات. فازدواجية الموقف تظهر في أبأس حالاتها لمّا نجد خصوم الدين يتناولون بالسخرية نفسها حقائق تتنزل عندنا منزلة الحقيقة الغيبية اليقينية. المسألة لها في البداية صلة بنصوص تعدت ما يقارب الألف والخمسمئة مما يشتمل على الصحيح. أين سيقذف بهذا الكم الهائل من الأخبار التي وجدت طريقها إلى كتب الفريقين. ولست أدري ما المناسبة في إقامة هذا القياس الذي أقامه ابن عاشور ، علما أن هذا لا يصلح دليلا على ردّ هذه الحقيقة لا بمنطق الشرع ولا بمنطق العقل كما هو ظاهر. وهي الحكاية نفسها: رفض حقائق من دون دليل سوى تحليلات إنشائية يمكن تطبيقها على كل أشكال الغيب التي قامت الأدلة على ثبوتها.

وثمة مثال لا يقل تخبطا في هذا المجال، حينما كتب المؤرخ المصري أحمد أمين كتابه عن المهدي والمهدويين. كان الوضع هنا في غاية الاضطراب. فأحمد أمين الذي لم ينج من الخطأ حتى وهو يكتب فجر الاسلام وضحاه، لم يكن موفقا في رد حقيقة إنما وجب بحثها في مجال العقائد لا التاريخ. فهو مثل نظرائه المنكرين لها يجهلون كما تظهر تصريحاتهم وجود عدد وافر من الأخبار الصحيحة حول المهدي. هذا إذا أحسنا الظن وقلنا أنهم تغاضوا عنها جهلا لا تبييتا. وقد تصدى لمزاعم أحمد أمين في كتابه الموسوم بالمهدي والمهدوية ، اثنان من أعلام الإمامية المعاصرين: محمد أمين زين الدين والشيخ جواد مغنية . وفيها أبرزا ما أبرزا من ردود أظهرت كم كان أحمد أمين على جهل كبير بما يعتقد به الشيعة في أمر المهدي . بل قصاراه أنه اجترّ الصورة النمطية الراسخة في أذهان كتّاب تاريخ الغلب . وليس بعيدا عنهم ما كتبه زكي نجيب محمود في مجلة السياسة المصرية تحت عنوان: "المهدي المنتظر..نشأته وأطواره في التاريخ"، ترديدا للرؤية نفسها والمذاق نفسه في التعاطي مع المسائل الخطيرة خارج منطق التحقيق. وقد جاءت ردود الشيخ البلاغي بليغة ناقضة فيما عنون له بـ:" نسمات الهدى ونفحات المهدي". كأن من يتزعم حركة التشكيك والإنكار لقضية المهدي لا يكلف نفسه أكثر من صياغة إنشائيات تستند على كل حيل الحجاج غير الوقوف على مدارك القضية و دون الاستناد إلى التحليل العقلي في مدياته الأوسع دون شعارات المادية الهوجاء . ففي السياق نفسه يكتب الشهيد السعيد السيد باقر الصدر بحثا حول المهدي ضمنه تحليلا عميقا قصد به الرد على من تذرع بالخطاب العقلاني والعلمي لدحض حقيقة المهدي. وقد جعل البحث المذكور بمثابة تقديم لموسوعة الشهيد محمد صادق الصدر حول المهدي التي أوفى فيها البحث في حيثيات الغيبة والظهور وما بعد الظهور بتفصيل وحجاج ومعالجة تقدم رؤية متقدمة لاستيعاب حركة المهدي وما يعد به عصر الظهور وما هي حقيقة به البشرية في انتظاراتها قبل ظهور المخلص.

ويلاحظ أن النقاشات الواردة هناك تحمل نمطا يكاد يكون متشابها: دحض فكرة أن العلم والعقل يناقضان الغيبة. وقد تأكد أن الأمر لا يخلو من قصور في تقدير ممكنات الواقع وآماد العقل.

* * *

وقد صادف أن قضية المهدي مما تلابس الأمر حولها لدى بعض ممن لم تنتظم الرؤية لديهم أو خانهم الشطح فحسبوا أن الأمر فوضى..هكذا تدانت المسألة في الأذهان حتى تجرأ عليها قوم ما تارة من الأعلام وتارة من الحمقى وغير المؤهلين.. وفي المغرب عانينا من هذه المزاعم الكثير حتى شط الأمر شططا بعيدا. وبدء الخطا في المغارب ما كان من مزاعم محيي الدين بن عربي في شطحاته وما أكثرها ـ لمن لا يقرأ كشوفاته بحذر ـ ادعاؤه أو لا أقلّ ما يفهم من ظاهر مزاعمه وآرائه المضطربة ، نسبة ختم الأولياء لنفسه بدل المهدي. ونحن لا نسلم له بهذا، لأن لا دليل عليه البتة. وقد كانت هذه الهنات وأخرى لا تقل منكرا مما زلزل عقيدتي في محيي الدين مع أنني لا زلت أرى فيما ضمّنه فصوصه وفتوحاته ما لا يثمن بثمن. وإذا شئنا أن نحلل أسباب هذا التخبط الذي وقع فيه صاحب الفتوحات المكية ، وآخرون قبله كان لهم تأثير بالغ على رؤيته تلك من أمثال الحكيم الترمذي صاحب ختم الأولياء وآخرون سايروه في ذلك لا سيما من شراحه كالقيصري، فإننا نرجع ذلك إلى تأثيرات النموذج المعرفي المتاح في بيئة تحتفظ بأفكار ساذجة عن المهدي وأحواله. وكذا غياب التحقيق اللازم الذي يشكل البنية التحتية لأي إغراق تأويلي. إن ابن عربي وقع في خطئين لا عذر له فيهما سوى شطط التأويل وشطح الكشوفات. وأعني بشطط التأويل ركوب منطق المماثلة بلا ضابطة تصرفه من مجرد تمثيلات شكلية إلى تمثيلات تلاحظ جانب الوظيفة في جهة التمثيل. وهو ما وقع فيه ابن عربي . وكذلك أقصد بالشطح في الكشوفات ، كونها باتت دليله الوحيد ، على الرغم من أنها ناقضت كشوفات أهل السلوك والعرفان بل ناقض بها كشوفاته الأخرى . هذا فضلا عن أنها لا تصح دليلا في مقام الاحتجاج. أما الخطآن اللذان ارتكبهما ابن عربي فهما:

ـ نسبة ختم الولاية المطلقة إلى عيسى ابن مريم بدل علي بن أبي طالب

ـ نسبة ختم الولاية المقيدة إلى نفسه بدل المهدي

ويبدو أن ابن عربي كمن سبقه ممن تأثر بهم من العرفاء يبنون هذه النسبة على مبدأ دوران الأمر ، حيث البدء بنبي يلزم عنه الختم بنبي مثله . وحجتهم في ذلك قوله تعالى:"مثل عيسى عند الله كمثل آدم". وهذا الضرب من التمثيل سطحي للغاية، لأنه لا يراعي جهة التمثيل التي هي التشابه في شروط الولادة وليس في الخاتمية.

وليس هناك من ردّ متقن على مزاعم ابن عربي وبعض من شراحه في هذه الجزئية أفضل مما قدمه العارف الحكيم حيدر آملي في "نص النصوص". فقد احتج على ابن عربي من الطرق الثلاث التي لا يبقى معها طريق: النقل والعقل والكشف. وما زعمه ابن عربي لا دليل عليه من الطرائق الثلاث. فالنقل لا يثبت الدعوى ، بل ما ثبت منه يؤكد على اتّباع عيسى للمهدي ، والتابع لا يكون أعظم من المتبوع. فالعلة من نزول عيسى هو إكمال ولايته بالمهدي كما هو إكمال نبوته بظهوره بشرع محمد(ص) . هذا مع أن ما زعمه ابن عربي من كشف مردود من حيث لا حجية للكشف إلا على الكاشف نفسه. إلا أن يكون الكشف معاضضا بدليل نقلي وعقلي. وقد ظهر أنه كشف ليس فقط يناقض ما ثبت نقلا وعقلا، بل إنه كشف يناقض كشوفات أخرى من رعيل العرفاء والناقض نفسه ـ حيدر آملي ـ والتي لها سند من النقل والعقل. بل إن محيي الدين يناقض كشوفاته في مواقع مختلفة من الفتوحات. وإنما مرد هذا الشذوذ في الكشف الأكبري إلى زلة معذورة عند حيدر آملي الذي اعتبره إنسانا كاملا لكن ليس كل كامل هو كذلك من كل الجهات. ويكفي أنه ردّ في شبه سخرية على ما زعمه شارحه القيصري من أن من صفات الخاتم أنه إذا زال من الدنيا انتقلت العمارة إلى الآخر وتقوم به الحجة على الملائكة وما شابه. فحيدر آملي يؤكد أن لا شيء حدث بذهاب ابن عربي . وهذا يكفي لدحض نسبة الختم لنفسه. ولا يهمنا هنا الاستطراد في معالجة هذه المسألة ، لأن الغرض من هذا سرد نماذج ممن نسب المهدوية لنفسه . وقد حصل لهذا نظائر من كل الطبقات والاختصاصات والحقول: من الصوفية ومن السياسيين ومن الفقهاء ومن السوقة والعامة..

وخذ مثالا على ذلك ما كان من أمر المهدي بن تومرت مؤسس الدولة الموحدية وداعيتها الكبير. ومع أنني معجب أيما إعجاب بهذا العالم والزعيم الذي فعل كما فعل أنصاره كل شيء لإحاطة حركته بالأسرار، إلا أن دعواه المهدوية لا زالت تستدعي عندي تأملا مضاعفا. إن المتأمل لسيرة الرجل والمتأمل لأهم آرائه في أصول الدين وفروعه كما لخصها في كتابه : "أعز ما يطلب" وآراؤه العقائدية في المرشدة ـ التي أثارت عليه ردود فعل وصفته بالتّغلب والظلم والضلال من قبل نفر من الفقهاء والمحدثين ليس ابن تيمية إلا نموذجا واحدا منهم ـ ، يدرك أن الداعية الموحدي تأثر كثيرا بالأوضاع القاتمة لعصره كما تأثر بتجربته الخاصة ، أهمها رحلته المشرقية. إن القائد السياسي الذي كان يختفي وراء الفقيه العالم، من شأنه أن يوظف الكثير من القناعات في سبيل تحقيق أهدافه السياسية. فابن تومرت الذي طرد من أكثر من بلد من المشرق العربي لشدّة اهتمامه بشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولشدة مرونته العلمية التي مكّنته من الإفادة من مختلف التيارات والمدارس الكلامية والفقهية ، كان أحرى أن يجد في المهدوية الوسيلة الوحيدة لإحداث التغيير. هكذا نجد آثار المهدوية بخلفيتها الإمامية حاضرة حتى وإن لم يكن ابن تومرت شيعيا بالمعنى المصطلح. لكنه ارتقى بالإمامة إلى مرتبة الأصل. كما اعتبر العصمة لازمة للإمامة حيث لا يدفع الباطل بالباطل ولا الجهل بالجهل وما شابه. بل إنه اعتبر المهدوية شأنا خطيرا في الإسلام لا يجوز تهوينه أو نكرانه ، إلى حد اعتباره الجاحد بها في حكم الكافر. وذلك لأن المهدي وحده من يملك إحلال العدل وإبادة الظلم. إن تتلمذ ابن تومرت أثناء الرحلة مشرقا على أبي حامد الغزالي لم يمنعه من مخالفة رأيه في جواز التكليف بما لا يطاق. فابن تومرت يقف موقفا عقليا شبيها بالمعتزلة والإمامية ، حيث قبح التكليف بما لا يطاق. وهذا يعزز الميل الشديد لابن تومرت إلى آراء العدلية في هذا الخصوص. لكن يبدو لي أن دعوى المهدوية إن ادعاها حقا لا تعدوا توظيفا سياسيا في محيط كان لا يزال يجهل الكثير من المعطيات بخصوص الفكر المهدوي الذي بقي ملتبسا ومشوشا في تراث القوم. يدل على ذلك أن ما شاع من أمر ابن تومرت في حكايات الناس أنه وارث سر علم علي بن ابي طالب الذي ورثه عن رسول الله(ص)، ووارث الجفر الذي انتقل من الصادق(ع) إلى أبي حامد الغزالي ومن ثمة إلى ابن تومرت. حكاية المهدي ابن تومرت اختلط فيها الأسطوري بالحقيقي، لكن ادعاء المهدوية في زمانه لم يكن أكثر من دعوى ذات وظيفة سياسية لمواجهة خصومه المرابطين اللّثم حارقي إحياء علوم الدين. وحيث انتهى الخبر للغزالي في مجلسه عن حادثة الحرق ووعدهم بزوال أمرهم وبأن المتولّي لهذا الأمر شخص من بين الحضور. ولم يكن هذا الشخص سوى المهدي ابن تومرت الذي أدرك الغزالي وتتلمذ عليه بعض الشيء. وربما كما يذكر أحد المؤرخين أنه طمع بها منذ ذلك الحين، والله العالم. ما أريد قوله باختصار في أمر المهدي بن تومرت، هو أن موقفه يعكس نمط التصور السني للمهدوية وليس النمط الشيعي. لا يمكن أن تمر دعوى كهذه في المجال الشيعي دون أن تحبط وتنزع عن مدّعيها العدالة. لكن الجرأة على ادعاءها من قبل أشخاص هو بالاستقراء رائج في المجال السني أكثر من المجال الشيعي. وليس للشيعة سوى تنظيرا حول المهدي في نطاق المفهوم ، بينما عند السنة تنظيرا أقل لكن دعاوى أكثر في نطاق المصداق. فليس ثمة من ضابطة تمنع أي مدّع لها تمكّن من التغلّب وحقق إنجازات أبهرت الأتباع. فحينما توجد القابلية لإضفاء المهدوية على كل من تصدّى وحقق انجازات ولو ظرفية ثم سرعان ما تنطفئ الشعلة ويعود الأمر كما بدأ، هنا لا غرابة في أن يتكرر المشهد في الماضي وأيضا في الحاضر والمستقبل. وعلى ذلك المنوال حاك المهدي ابن تومرت مزاعمه. وهو عندي ليس شيعيا بالمعنى الشائع، فـ"أعز ما يطلب" دالّ بما فيه الكفاية على ذلك. فهو يعتبر قول الصحابي ـ بلا شرط ـ وينزّه أقيسته عن أقيسة المتأخرين. كما يقر بعمل أهل المدينة على الطريقة المالكية بالإضافة إلى فروق كبيرة في الأصول والفروع ليس ها هنا مجالها. لكن دعواه إلى المهدوية ليس لها من التشيع سوى القالب الذي به يكون المهدي إماما ومعصوما، وتكون الإمامة من أركان الدين. فهو هنا شيعي بالمفهوم سني بالمصداق. ومع ذلك نجد من الصعوبة معذّرية ـ فضلا عن التصديق بهذا الادعاء ـ من زعمها لنفسه ، إلا أن تكون هناك شبهة مفهومية تؤثر على المصداق. فهذا وارد وهذا ما حصل للمهدي وغيره من مدّعيها.

وخلال السنوات الأخيرة ظهر في المغرب من ادّعى المهدوية أو تمسّح بهذا الإسم مما اقتضى تدخلا لبيان الموقف.. وتمتد الإدعاءات من أعلام الحركة الإسلامية إلى هامش الحمقى والمجانين. إنها ثقافة! لكنها تصبح ثقافة خطيرة حينما يضيع المناط وتتحول المسألة إلى فوضى. وقد شهد المغرب من ذلك الكثير. لا أريد الخوض في المغرب الوسيط الذي عرف الكثير من ذلك بل الأمر يتعلق ببعض الحالات التي تبدو أكثر نشازا بين الفينة والأخرى. وقد يبدو أن الأمر لا يخلو من التباس. فادعاء المهدوية هي من الرائجات التي اعتاد عليها كل من همّ بالتغيير والثورة على الأوضاع أو لفت الأنظار إليه. لكن ما رأيت أسرع فضيحة ممن يدعيها عبثا. فالمهدوية بمدلولها العام الرائج في كتب العامة يتيح هذا النوع من القومات التي يتصدى لها كل من اقتدر ووفق لذلك. ومع ذلك فإننا لا نعتقد أن مسألة المهدي هي متاحة لعامة الناس ولا حتى لخاصتهم. فالمهدوية بحسب اعتقاد مدرسة أهل البيت هي وظيفة مخصوصة لشخص مخصوص لا يتقمصها أحد حتى لو كان نبيا أو إماما. فالدور التاريخي للمهدي مما لم يكلف به أحد ممن سبق من الأنبياء والأوصياء. فهي ليست وظيفة تتثبت لمن همّ بالإصلاح وإن كان المصلح هاهنا على خير. وأما من سائر من ادّعاها من العامة أو انتسب إلى عنوانها فحدّث ولا حرج. يطلع شخص ذات صباح من إحدى الأحياء الشعبية فيزعم أنه هو المهدي. وقد قرأت رسالة مجهولة وصلت إلى إحدى الصحف تؤكد على أن كاتبها هو المهدي. الشخص الأول المدعي لها في حكم العوام لا يتوفر على تحصيل علمي يؤهله لفهم الشريعة بله تأويلها. وأما الثاني فرأيت أن الخط الذي كتب به رسالته يعكس اضطرابا نفسيا يستطيع أي محلل لسيكولوجيا الخط والكتابة أن يدرك ذلك. ويا ما كان لهذه الدعاوى من نظائر تكاد تشيب من هولها الولدان. لقد قامت حركة المهدي في السودان على المنحى نفسه . ومن غرائب ما رأيت أن زعمها بعضهم لصدام في صحافتنا أثناء غزو هذا الأخير للكويت. بل ثمة من زعمها للسيد نصر الله بعد الانتصار المعجز في مقاومة الاعتداء الاسرائيلي . والغريب أن الذين زعموا ذلك الزعم ، هم بعض من أبناء السنة المعجبين وهو ما من شأنه إضحاك الشيعة بل وإضحاك المعني بالأمر كما لا يخفى. فأما صدّام فأمره لا يخفى إلا على من ليس له فتات من علم الأديان. وأما السيد حسن نصر الله فهو خاض معركة قصاراه أن ترفعه إلى مصاف الممهدين. لكن معركة المهدي كبرى لا تقف ولا تتأطر بملف مطلبي محدود. وهناك بالعراق من زعم الزعم نفسه فيما الأمر واضح البطلان.. فقد قرأت فيما بلغني من كتب صدرت في سبيل هذه الدعوى ، فوجدت فيها من الإطناب المملّ ما لا يليق صدوره عن المعصوم ولا من يمثله . فهو ممن أوتي جوامع الكلم ومكّن من القول البليغ وفصل الخطاب. وإن لمعارض كلامهم ما يستوقف المتلقي دون كلف في الإقناع. وفيها تجد بلغتك دونما شقوة تكدر صفو عقلك ولا تؤرق في الحق نظر. وإن المنتظرين لن يقبلوا بظهور باهت وادعاءات مفعمة بخوارم الحجة بعد أن طال بهم الانتظار مئات السنين. هذا وإن الحجج والناطقين عنهم بلا واسطة لا يكتبون أسفارا ومجلدات. ثم إن الظهور لا يحتمل بعد وقوع الغيبة إلا نصرا كاسحا مؤزرا. فكيف والدعوى لم تحقق مقاصد ما غاب لأجله الإمام. إن لحظة الظهور معجزة لا تحتاج إلى أدلة غير ضرورية كالتي حاولها البعض لأسباب خفيت عنّا ولسنا في وارد تحليلها.

وفي كل مرة تراجعني الصحافة أو بعض المهتمين، مع كل طلّة مهدوية مزعومة، فيكون الموقف بالتأكيد هو الرفض ودحض الدعوى. فالمسألة قابلة إذن للتّوظيف من محور النخبة إلى هامش العامة.

هذه حالات شاذة لا يمكنها أن تجد طريقها معبدا إلى عقول الناس ، متى ما وضعنا قضية المهدي في سياقها ومقاصدها العظمى . وأما لو ظلت مجرد حكايات يتناقلها السذج والجاهلون من دون فهم لمقاصدها واستبصار لمعانيها واستحضار لعلاماتها وخصائصها فإنها لعمري هي الفوضى تمشي على الأرض. ومع ذلك هذا لا يعني أنها إذّاك وجب أن تنكر لشدة ما تدّعى زورا ولشدّة ما يعبث بحقيقتها العابثون. وذلك نظرا لما يدل عليها في الشرع المقدس بتواتر لفظي ومعنوي، ولما يهفوا إليها من وجدان بشري..هي وحدها الحقيقة التي تشارك في الإعتقاد بها أهل الأديان وهفت إليها أحلام النوع وفاضت من حولها السنن والأخبار. وكانت وحدها الحقيقة التي بها تتحقق وعود الله التي لم تتحقق بعد ولا زال منطوقها يبعث على انتظارات تحققها في الآجل.

ويستطيع الشيعة أن يستدلوا بأدلة نقلية وعقلية وافرة للتأكيد على ولادة المهدي وهو ابن الحسن. فقد ثبت أن غير واحد من أعلام السنة أكد على ولادة المهدي وبأنه هو ابن الحسن العسكري. ولا يكفي ما أورده بعضهم من إنكار ولد الإمام العسكري . وقد أورد ذلك مؤرخون وأصحاب التراجم ومحدثون من أمثال ابن خلكان في الوفيات والذهبي في تاريخ دول الإسلام وخير الدين الزركلي في الأعلام وابن العربي في الفتوحات و سبط ابن الجوزي الحنبلي في تذكرة الخواص وابن الأثير في الكامل والشبلنجي في نور الأبصار وابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة وآخرون ممن أورد خبر ولادة محمد ابن الحسن العسكري وأنه المهدي المنتظر. وأما الإخفاء من قبل الأب فهو مما كان متوقعا لأن المسألة كانت تتعدى الحصار إلى إرادة القتل للدور الخطير المنوط بالمهدي. ويكفي أن المعتمد ومن عاصر الحسن العسكري من خلفاء بني العباس، صعّدوا الموقف بل وأمروا بتفتيش بيت الإمام الحسن العسكري فور وفاته. وأطبقوا الحصار رغم أن خبر ولادته لم يكن مشاعا خارج خلص شيعته. لكن ثمة من شهد بذلك بعد الغيبة من وكلائه والخدم بل وقابلته وعائلته. بل وكما يؤكد الشيخ المفيد أن أبناء جعفر نفسه الذي كذّب خبر ولادة المهدي طمعا في إرث أخيه كلهم على الأقل في زمن المفيد ممن كان على اعتقاد راسخ بولادة المهدي. وهو ما لم تصدقه السلطة العباسية نفسها بعد أن منعت الإرث أن يفوت لأخي الحسن العسكري وقد أثبت عدم الولد لهذا الغرض. وإذا تعلق الأمر بالأدلة العقلية فلا وجود لما يمنع من ذلك ، لا سيما وأن نظائر الإخفاء والغيبة وما شابه ظلت هي الصورة النمطية المتكررة في تجارب الأنبياء والصلحاء وتقبلها الوجدان المؤمن قبولا سلسا. ولا نخال أن غيبة نبي الله يونس في بطن الحوت هي أقرب إلى العقل من غيبة إمام عن الناس في مكان غير محدد. حيث ليس في أمر الغيبة إشكال ما دام كل من أراد أن يستتر عن الخلق أمكنه ذلك. لكن المسألة في طول الغيبة وهذا مما حدث لأنبياء و أوصياء مما ذكر في القرآن وفصّل في الأخبار.

ومهما حاول البعض صرف محل النزاع إلى مطارح أخرى فإننا نلاحظ أن من أشار إلى اختلاف آراء الشيعة في موضوع المهدي الخلف لأبيه الحسن العسكري أمثال الشهرستاني ، فاته أن ذكر اختلاف الشيعة حول ابن الحسن إلى إحدى عشر فرقة إنما لا ينهض دليلا في وجه مثبتات الولد للإمام الحسن. فيكفي أن الشهرستاني يتحدث عن إحدى عشر فرقة اختلفوا حول من يخلف الحسن العسكري ، وهي فرق لم نجد لها من وجود في غير ملله ونحله. وحتى لو وجدت على سبيل الفرض ، فإن انقراضها الفوري يؤكد شذوذها عن الرأي المشهور. وليس غريبا على الشهرستاني أن ينفخ في آراء الفرق ليجعل من كل رأي مذهبا ومن كل موقف فرقة ليظفر بسفر للملل والنحل يضاهي به الكتبة. فالشهرستاني الذي يؤكد على أن للإمام الهادي مشهدا في قم ـ بينما مشهده في سامراء بالعراق ـ دليل على سوء التحقيق. كما أن تعجبه من طول الغيبة فيه ما فيه . لا سيما وأنه رد على من مثل لذلك بغيبة الخضر وإلياس بأن هؤلاء ليسوا مكلفين بإصلاح وإقامة العدل وما شابه ، فإنه أخفى أن تمثيل بعض الإمامية بذلك جاء ضمن سياق خاص. فهذا التمثيل الذي صاغه الشهرستاني بتصرف وانتقاء جاء في سياق رد تعجب القوم من طول فترة الغيبة وثقلها على الوجدان المادي وليس في المهام التكليفية المنوطة بالمهدي. وتصرف الشهرستاني هنا واضح. فهو أورد مثال إلياس والخضر غير المكلفين لكنه لم يورد مثال أنبياء مثل إدريس وعيسى المكلفين..وقد غاب عنه أن القرآن نفسه تحدث عن تكاليف اضطلع بها الخضر بصحبة موسى كما هو مبين في سورة الكهف. وأما التكليف فهو لم يسقط وإنما لوجود المانع كما لا يخفى. وكل هذا لا يقوى على دفع الحجج النقلية والعقلية التي توفرت لدى هذا الفريق. فلا ننسى أن ما توفر في أخبار أهل البيت بهذا الشأن يغني عن سائر ما ورد عند غيرهم ، بل يمكن من إقامة ميزان ناظم يجعل المهدوية النتيجة الحتمية والسائغة التي تربط مختلف فصول الأمة التاريخية، وبأن صلاح مستقبل الأمة هو بالمصلح الذي ادخرته العناية الإلهية لهذا الغرض. حيث الحديث عن الإصلاح هنا ليس بالمعنى الساذج والسطحي الذي يفيد تحولات جزئية وموقعية. إن إصلاح المهدي هو التغيير العالمي الكبير.. فإذا استوعبنا أن المستقبل سيشهد إصلاحا تاما بهذا المعنى المثالي الكبير فليس لنا إلا أن نتوقع من المصلح العظيم أن يكون محاطا بأسرار غاية في العظمة.

وكما ادعاها البعض لنفسه دجلا أو هذيانا أو شططا فإن ثمة من أوغل في عوارضها من أحوال الأمة والأمم قبل الظهور وعشيته. فإذا به لا يقف عند ضابطة في الاعتقاد. فقبل باليابس والأخضر وأطلق العنان للخيال. ومع أننا نؤكد على أهمية المعتقد الأخير إلا أن هذا لا يمنع من التنبيه إلى خطورة تجاوز المعايير العملية والضوابط الشرعية في التعاطي مع عوارض الظهور. ولا أدلّ على ذلك مما جاء في خطبة البيان التي ليس فيها من البيان سوى كلام لا يمكن أن ينطق به صالح من العباد بله معصوم إنما جعل ليبين للناس ما لا يعلمون. فلو قيست الخطبة المذكورة مع خطب النهج لظهر لك البون الشاسع وبؤس محتوى الخطبة. فهي خطبة بيان لإمام أمر بالتبليغ بشروطه اقتداءا بصاحب الدعوة (ص) ـ " وقل لهم قولا بليغا " ـ لكنها جاءت مليئة بما لا يفهم في لغة العرب ولا يوجد في قواميس ذاك الزمان ولا زماننا، وهي تحمل من آراء ذلك الزمان الفلكية والثقافية ما لا غبار عليه. لكن هذا لا يمنع أنها احتوت على بعض من الحقائق التي لها وجود في أخبار أخرى واختلطت بأفكار لا مدرك لها في كتاب أو سنة ويأباها العقل السليم. ومع أنها خطبة فيها ما فيها إلا أن أعلام الإمامية لم يترددوا في الحكم عليها بالضعف طبقا للمقاييس والضوابط المقرر في الأخذ والرد.. في القبول والرفض. ومثل ذلك ما ورد من خبر الجزيرة الخضراء الذي أورده المجلسي فيما وجده من أخبار. وهي حكاية فيها من الغرابة ما يثير فضول القارئ لا سيما وأنها وجدت اليوم من أعاد إخراجها بإجراء مقارنة تطبيقية بينها وبين مثلث بيرمودا مما يمنحها مصداقية أكبر على الرغم من عدم صحة سندها بالمقاييس والضوابط الدرائية الإمامية. وقد تصدى إلى نكران ذلك أهل التحقيق ، وقد ردّ المحقق الكبير سماحة السيد مرتضى العاملي ردّا جميلا لخطبة البيان وحكاية تطبيق بعض ما ورد فيها على حكاية مثلث برمودا . أقول : ولشدّة ما تدّعى زورا تراني أستحسن توجيها لذلك الخبر الذي يظهر منه حصر المهدي في عيسى على ما فيه من ضعف مشهود. وهو التوجيه الذي ذكره صاحب عقد الدرر في أخبار المنتظر ، لمّا قال(" قال الشيخ الإمام الحافظ العلامة شهاب الدين أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الشافعي، رضي الله عنه: ولقوله صلى الله عليه وسلم: " لا مهدي إلا عيسى ابن مريم " وجه آخر من التأويل، وهو أن يكون على حذف مضاف، أي إلا مهدي عيسى. أي الذي يجيء في زمن عيسى عليه السلام، فهو احتراز ممن يسمى بالمهدي قبل ذلك من الملوك وغيرهم، أو يكون التقدي: إلا زمن عيسى. أي: الذي يجيء في ذلك الزمن، لا في غيره. والله أعلم)(ج1 ص2). فحقا لو اتفق أن خذفا ما حصل على غرار ما حكى شهاب الدين، فيكون الخبر أبلغ بضمّ المحذوف إليه منه بوجود الحذف ، فتأمّل!وأعجب وأنكر ما رأيت قوما ثقل عليهم استيعاب تشخص المهدي. فاعتبروا الأمر مجرد فكرة في ضمير الخلق يتطلعون إليها . والأغرب من ذلك أنهم سرعان ما سلّموا بذلك في تخرّص يأباه وجدان عامة الخلق فبالأحرى عقل متشرع. فمع وجود الأخبار الدّالة على تشخص الموعود يبقى كل كلام زائد هو محض خيال. فالفكرة في تاريخ البشر والأديان تقوم بالشخص وإلا فهي تجريد محلق لا يرسوا على أرض. وكلها محاولات تسعى لتحريف الحقيقة بعد استثقالها. وهذا أمر طبيعي لمن جعل طريقه لفهم الدين مجرد استحسانات .

وأحسب أننا إذا تفادينا الإغراق في تحشيد علامات الظهور وأحوال الأمم أثناء الظهور، لا سيما ما يبدو أشبه بالمفارقة: ذلك الذي نسميه إمكان البداء في المحتوم ، وركزنا بما فيه الكفاية على فلسفة الغيبة والظهور ، نكون قد وقفنا على المقصد الصحيح. إنّ كل ما جاء من الأخبار في ذكر العلامات محتوما وغير محتوم ، إنما غايته البعث على الاطمئنان والثقة والتفاؤل والعمل الصالح في مستقبل يجب أن نعتقد في حتمية صلاحه. فإذا قرأنا المهدوية قراءة مقاصدية وجدنا أنفسنا معنيين بغاياتها وجوهرها. فليس من وظيفة زمن بعينه أن يحدد أيّ الأحلام ممكن تحققها أو يجدر إنجازها في زمن المهدي. كيف يقال ذلك وأن أحلام الناس حتى في المعاش لم تتطابق عبر العصور. فما يحلم به مؤمن من القرون الوسطى قد يبدو حلم أطفال بالنسبة إلى أحلامنا في القرن الواحد والعشرين. لا سيما وأن من مظاهر أحلامهم ما هو متوفر عندنا لا نمنحه من الأهمية شيئا. هذا فيما يتعلق بذكر علامات الظهور . أما فيما يتعلق بحقيقته وما يتصل بمسألة ولادته أو عدمها بالنسبة لفريقين من المسلمين، فإن الزمان كفيل ببيان ذلك. ووجب أن لا يغيضنا هذا الخلاف لأنه ليس أمرا تاريخيا فحسب بل هو أمر له صلة بالمستقبل. وما في المستقبل يحمل معه حجته. فحقائق التاريخ ولّت وتصرمت لكن حقائق المستقبل آتية. وحقائق المستقبل هنا هي من يحسم حقائق التاريخ . فالإمام بما يتوفر عليه من وسائل الإقناع فيما نعرفه من أمره بواسطة الأخبار أو ما لا نعرفه من أمره مما لم يخبر عنه ، هو من يغير قناعات من تشابه عليهم الأمر وجهلوه. فالذي أنيط به تغيير العالم أليس قادرا على إقناع الناس بصدق دعوته وحقيقته؟! وجب أن لا ننسى أن أخبار المهدي لم تقل لنا كل شيء عن قدراته وصفاته. فالقضية الأولى والأخيرة أن ثمة مهدي ، سيظهر وتظهر معه حجته لمن تلابس عليه الأمر. ..
[url=http://hespress.com/?browser=view&EgyxpID=22574]


عدل سابقا من قبل rahmaa في الخميس 05 أغسطس 2010, 23:14 عدل 1 مرات (السبب : m)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مقال رائع للسيد هاني فيه إفحام للمنحرفين مثل أحمد الكاتب و بن عربي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
العترة الطاهرة لشيعة المغرب :: منتدى الإسلاميات :: منتدى الرد عـلى الشبهات-
انتقل الى: